الولايات المتحدة تتخبط في متاهات وفخاخ صراعات الشرق الأوسط.. الخروج من تحت سقف هيمنة واشنطن



الولايات المتحدة تتخبط في متاهات وفخاخ صراعات الشرق الأوسط.. الخروج من تحت سقف هيمنة واشنطن

عمر نجيب

  • بقلم// عمر نجيب

  يوم الأحد 12 نوفمبر 2017 أعرب وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي، تساحي هنجبي، عن شكه تجاه اتفاق وقعته روسيا والولايات المتحدة والأردن، على تأسيس منطقة مؤقتة لخفض التصعيد جنوبي سوريا.

وقال هنجبي: إن “الاتفاق لا يحقق مطلب إسرائيل الذي لا لبس فيه بألّا تحدث تطورات تأتي بقوات حزب الله أو إيران إلى منطقة الحدود الإسرائيلية السورية في الشمال”. وأضاف أن “هناك تفهما بأن إسرائيل حددت خطوطا حمراء وأنها ستتمسك بها بشدة”.

وفي سياق متصل، قال مسؤولون إسرائيليون إن الجيش الإسرائيلي سيبقي على ضرباته في سوريا.

وذكرت وكالة “رويترز” أن إسرائيل تعمل للضغط على الدول الكبرى لمنع إيران وحزب الله اللبناني من الحصول على أي قواعد دائمة في سوريا، وإبعادهم عن منطقة الجولان المحررة سنة 1973 والبالغ مساحتها 400 كلم مربع وتقابل الجزء الذي لا زال تحت قبضة الجيش الإسرائيلي.

خطوط حمراء

 تصريحات الوزير الإسرائيلي جاءت بعد أيام من كشف موقع “ميدل إيست أي” معلومات وتقارير تتحدث عن استعدادات لحرب كبرى في الشرق الأوسط قد تندلع في أي لحظة، في حال تصاعد الصراع واجتياز الخطوط الحمراء في المنطقة.

وبحسب موقع “ميدل إيست أي”، فإن الاتفاق الأمريكي الروسي الأخير حول مناطق خفض التصعيد أعطى “حزب الله” اللبناني الإمكانية باستخدام الاتفاق لتعزيز دوره وقوته في الجولان المحتل، وذلك استعدادا لأي معركة أو حرب محتملة مع إسرائيل. وبعد انخراط الحزب في الحرب السورية تعاظم دوره عسكريا وسياسيا.

عسكريا من خلال تواجد عناصره في سوريا وقيامه باستحداث مواقع عسكرية تحوي قواعد صواريخ وشبكة أنفاق متصلة ببعضها البعض ويترأسها مركز قيادة أساسي، هذا عدا عن عدد المقاتلين المدربين والأسلحة والآليات العسكرية المختلفة التي بحوزة الحزب في سوريا.

لكن تقارير أمريكية أخرى خففت من وطأة الخطر وقوة حزب الله في سوريا، غير أن هذا لا يخفي، بحسب تلك التقارير، وجود رغبة جدية لدى الحزب بالحصول على موطئ قدم وتأثير في الجولان السوري، ونشاط الحزب الأخير في تلك المنطقة هو دليل مؤكد على وجوده.

قلق

 تفيد مصادر رصد غربية في برلين وباريس أن سلطات تل أبيب تشعر بقلق متزايد نتيجة تقلص النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط وتوجه الكرملين أكثر فأكثر إلى ربط علاقات تعاون وتحالف من الدول والتنظيمات التي تعتبرها إسرائيل عدوة أو خصما لها.

الكرملين عمل بقوة من أجل تحقيق المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس رغم إعتراض واشنطن وتل أبيب وأطراف آخرى، وقد صرحت مستشارة مدير المعهد الروسي للدراسات الاستراتيجية يلينا سوبونينا يوم 22 سبتمبر 2017: “لقد كان موقف روسيا ثابتا، على الرغم من أن إسرائيل والولايات المتحدة كان لهما اتجاه آخر. وإن موسكو لم تصر فقط على ضرورة التوصل إلى اتفاق بين فتح وحماس، بل ولعبت دور الوسيط بينهما”.

الكرملين عمل كذلك بصمت خلال شهر أكتوبر 2017 لدعم وحدة العراق في وقت حاولت فيه بعض القوى وفي مقدمتها إسرائيل تاييد إنفصال إقليم كردستان. وقد ذهبت بعض الأوساط في بغداد إلى القول أن الكرملين أبلغ الجيش العراقي بأماكن تمركز عشرات المستشارين العسكريين ووحدات من قوات النخبة في الجيش الإسرائيلي المتواجدين في شمال العراق بهدف ضمان الحماية لمسعود برزاني رئيس الإقليم وتقديم الدعم لقوات البشمركة في مواجهتها مع القوات العراقية.

مصادر في برلين ذكرت أن غرفة العمليات الروسية العراقية السورية الإيرانية التي أقيمت في بغداد منذ سنة 2015 لتنسيق العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش، قدمت في أكتوبر 2017 خرائط تفصيلية بالأقمار الصناعية للجيش العراقي حول تحركات قوات البشمركة وعمليات إسقاط أسلحة لها من طرف طائرات أمريكية. موسكو وبعد تهديد واشنطن بوقف تزويد الجيش العراقي بالسلاح وقطع الغيار إذا لم يوقف هجومه على البشمركة، أبلغت رئيس الوزراء العراقي حيدر جواد العبادي بأنها مستعدة لتقديم أسلحة وقطع غيار وذخائر.

يذكر أن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو كان قد صرح يوم الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 ان لدى اسرائيل “تعاطف كبير” مع تطلعات الاكراد مطالبا العالم بضرورة الاهتمام بامنهم ومستقبلهم.

وكشف نتنياهو ان وزير السياحة السابق رحبعام زئيفي توجه الى كردستان في مهمة سرية ابان ستينيات القرن الماضي واشرف على اقامة مستشفى ميداني اقامه الجيش الاسرائيلي هناك لدعم مواجهة الانفصاليين الأكراد مع الجيش العراقي.

روسيا وحرب يوليو 2006

  روسيا عززت كذلك علاقاتها مع حزب الله اللبناني من خلال تعاون الطرفين عسكريا لدعم الجيش العربي السوري في حربه ضد التنظيمات المسلحة المدعومة من الغرب. مصادر إستخبارات غربية حذرت منذ صيف سنة 2017 من أن الكرملين يتجه تدريجيا ليكون حليفا لحزب الله وممولا أساسيا في تسليحه لجعله أقل إعتمادا على إيران.

نشر موقع “روسيا اليوم” تعليقا قال فيه: لا شك أن التفاهم بين “حزب الله” وروسيا لم يأت من العدم، فالمنظمة العسكرية التي قاتلت إسرائيل كانت بحاجة إلى السلاح الروسي الذي يعتبر الأفضل عالميا، وكذلك روسيا بالرغم من علاقتها الجيدة مع إسرائيل إلى أنها وضعت مصالحها في الواجهة من خلال عملية تسليح التنظيم، بالإضافة إلى تجربة بعض الأسلحة الحديثة خلال حرب يوليو 2006 ضد إسرائيل والتي نجحت في إيقاف الدبابات الإسرائيلية من خلال صواريخ “كورنيت” الروسية، كما قام خبراء عسكريون روس بزيارة الجنوب اللبناني والتقو عددا من ضباط الحزب بعد حرب عام 2006 الأمر الذي قرب الطرفين أكثر من أي وقت مضى، هذا عدا عن اللقاءات السياسية والدبلوماسية المستمرة بين الطرفين.

ومع بدء الأزمة السورية وانخراط الحزب في الحرب السورية وانطلاق العمليات العسكرية الروسية لمحاربة تنظيم “داعش” الإرهابي، ازداد التنسيق والتعاون بين “حزب الله” وروسيا في سوريا ما جعل إسرائيل في حيرة من أمرها. لا شك أن هذه العلاقة بين الطرفين نتيجة تقاطعات سياسية واستراتيجية زمنية لكنها وضعت الولايات المتحدة وإسرائيل في وضع صعب، خصوصا مع اعتبارهم “حزب الله” منظمة إرهابية على عكس روسيا التي ترى أن الحزب منظمة تحارب “داعش” أكثر من أمريكا وتدافع عن أرضها من الحماقات الإسرائيلية.

الكرملين أكد عدة مرات وخاصة لإسرائيل أن المحاولات الرامية إلى تدمير البنية التحتية لهذا التحالف في سوريا، تعرقل بلوغ المجتمع الدولي هدفه الرئيس وهو الانتصار على الراديكاليين وفي مقدمتهم “داعش”.

تقلص النفوذ الأمريكي

 جاء في تقرير نشره موقع “ذا هيل” الأمريكي يوم الخميس 21 سبتمبر 2017، إن العملية العسكرية الروسية في سوريا كانت خطوة في مسار دعم التواجد الروسي بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لافتا إلى أن موسكو حاولت بقوة بسط نفوذها من خلال صفقات الأسلحة ومشروعات الطاقة، علاوة على الترويج السياحي والمفاهيم الدبلوماسية الدافئة بهدف تقويض النفوذ الأمريكي ببطء في الشرق الأوسط.

وأضاف التقرير، أنه منذ وصول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسميا إلى السلطة عام 2000، سعى بشكل منهجي لاستعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي في إفريقيا، حيث تطورت علاقة موسكو بالعديد من بلدان المنطقة بحلول عام 2010، إضافة إلى أن أحد العوامل الرئيسية لدفع موسكو إلى إفريقيا هي مبيعات الأسلحة والنفوذ الاقتصادي على نطاق أوسع، كما استخدمت موسكو سوريا للإعلان عن أحدث ما وصلت إليه ترسانتها العسكرية.

وأشار التقرير إلى العلاقة بين روسيا ومصر، مؤكدًا أنها شهدت تحسنا ملحوظا بعد وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم، حيث تضاعفت أرقام التجارة الثنائية بين البلدين إلى 5.5 مليار دولار في عام 2014، وفقا للإحصاءات الروسية. وكانت روسيا ومصر قد نظمتا أول تدريبات بحرية مشتركة في يونيو 2015، وتدريبات عسكرية في أكتوبر 2016، وفي شهر سبتمبر 2017 انتهت القاهرة من المفاوضات مع موسكو لبناء أول محطة للطاقة النووية في مصر.

وأوضح الموقع الأمريكي أن الرئيس الروسي يتطلع إلى دور أكبر في ليبيا، وذلك عبر دعم قائد الجيش الليبي خليفة حفتر، حيث تقدم موسكو دعم دبلوماسي وعسكري قوي للقائد الليبي، لافتًا إلى أن المشير حفتر قام بثلاث زيارات إلى روسيا، منذ 2016. وكشف التقرير أن روسيا نقلت عشرات المصابين من جنود حفتر إلى موسكو للعلاج.

ووفقا للتقرير، كانت الجزائر من أكبر مستوردي الأسلحة الروسية طوال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وعلاوة على اتفاق التعاون النووي، الذي أبرمته روسيا مع تونس، كما تضاعف أعداد الزائرون الروس إلى تونس، بعدما توقفت حركة الرحلات بين القاهرة وموسكو في عام 2015.

وأضاف الموقع الأمريكي أن التحركات العسكرية التي يقوم بها فلاديمير بوتين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أصبحت تمثل تحدي واضح للغرب، الأمر الذي من شأنه أن يسمح لروسيا بتطويق أوروبا عبر بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

خيارات روسيا

 يوم الجمعة 6 أكتوبر 2017 تناولت مجلة “فورين آفيرز” الأمريكية خيارات روسيا في حال اندلاع حرب بين ميليشيا حزب الله اللبنانية من جانب وإسرائيل من جانب آخر. وتناول التقرير الموقف الروسي، ووصفه بأنه صاحب اليد العليا لحل هذا النزاع، بحيث سيستغل الكرملين مثل هذه الحرب لتعزيز نفوذه وتأثيره بالشرق الأوسط. كما أشار التقرير إلى تنامي الترسانة الصاروخية لحزب الله والذي يعد الحليف الرئيسي للرئيس السوري بشار الأسد، منوهة إلى أن كل من إسرائيل وحزب الله يتربصان للانقضاض في أى لحظة ضعف للطرف الآخر، لاسيما مع احتمال وقوع تصعيد غير مقصود من كلا الطرفين. ووفقا للتقرير، تسائل المحللون الإسرائيليون عن كيفية الرد على روسيا التي تعد حليفا في الحرب السورية مع إيران وحزب الله في الوقت الذي ستكون حريصة على الحفاظ على نبرتها الهادئة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأضافت مجلة “فورين آفيرز”، الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، أن طموحات إيران تحولت إلى مشكلة بالنسبة لروسيا، ولذا يود الكرملين أن يحد من تطلعات إيران للهيمنة الإقليمية دون أن تتوتر العلاقات مع الدولة التى مازالت أكبر حليف إقليمي لها، حيث رجح التقرير أن تفضل موسكو وجود إيران وحزب الله في سوريا غير قوي، ولكنه في الوقت نفسه ليس باهتا. وكلما احتاجت موسكو إلى حزب الله لمحاربة بقية القوى المناهضة للأسد، كلما كان ذلك سيحمي المجموعة اللبنانية من الهجمات الإسرائيلية. وكلما كان نظام الأسد أكثر أمانا في دمشق، كلما زادت مساحة إسرائيل للمناورة، وفقا للصحيفة.

وبحسب التقرير، فإن تصميم إسرائيل على استخدام القوة قد يتوافق مع أهداف روسيا، وإذا اندلع الصراع بين إسرائيل وحزب الله، فمن المحتمل أن تترك موسكو حزب الله وإيران ينزفان من أجل إضعاف مواقفهما الإقليمية، لكنها ستسعى أيضا إلى منع انتصار إسرائيلي كامل، لأن القيادة الروسية لا تزال تحتاج إلى حزب الله كفاعل استراتيجي في المنطقة. كما ألمحت المجلة الأمريكية إلى أن انتصار حزب الله الكامل أو إبادته الفعلية غير مرغوب فيه بالنسبة لموسكو، لأن ذلك من شأنه أن يفكك التحالف القائم بين موسكو والكتلة المناصرة لإيران، مما يترتب عليه أن تبدو روسيا كحليف لا يمكن الاعتماد عليه. وأوضح التقرير أن الكرملين يريد الحفاظ على موقفه في أي ترتيب سياسي لمستقبل سوريا، حتى لو تم استبدال الأسد أو تحولت سوريا إلى دولة تخضع للحكم الفيدرالي. وفي الوقت نفسه تسعى إيران أيضا إلى تعزيز قوتها في بلاد الشام، ومن ثم كلاهما يسعى إلى إقامة موطئ قدم عسكري دائم في سوريا والتأثير الجيوسياسي في المنطقة. ومن غير المرجح ألا يقتصر حزب الله على القذائف الصاروخية ضد الإسرائيليين فحسب، كما حدث في عام 2006، حيث ستسعى الميليشيا البنانية إلى تدمير آلة الحرب الإسرائيلية، لاسيما وأن دقة صواريخ حزب الله، وأعدادها المتزايدة، يمكن أن تسمح له بضرب أهداف مهمة من الناحية التشغيلية، مثل قواعد القوات الجوية الإسرائيلية، ومنشآت جمع المعلومات الاستخباراتية، أو حتى تجمعات القوات. ويتوقع محللون إسرائيليون اختراق وحدات من قوات حزب الله الأراضي الإسرائيلية، وربما احتلال بعض المستوطنات الحدودية. كما توقعت المجلة الأمريكية أن تشارك روسيا بشكل أكبر فى حال نشوب حرب بين العرب وإسرائيل أكثر من أى وقت مضى، إلا أن الغريزة الإسرائيلية تلجأ إلى واشنطن في أزماتها، ومع ذلك، فإن تراخي الإدارة الأمريكية الحالية والروابط الإقليمية للكرملين يمكن أن يجعل موسكو، التي أقامت معها إسرائيل صلات عسكرية وسياسية، طرفا أكثر صلة في عيون القيادة الإسرائيلية. ويعني هذا أنه، بعد بضع سنوات من تدخل روسيا في سوريا، قد أعاد بوتين تموضع موسكو في الشرق الأوسط، الذي خسرته منذ عقود، ولذا فإن اندلاع حرب بين إسرائيل وحزب الله يمكن أن يثبت انتصار سيد الكرملين.

كما كتبت وكالة انباء بلومبرغ: “يسلك الإسرائيليون والأتراك والمصريون والأردنيون والسعوديون طريقا نحو الكرملين، على أمل يكون فلاديمير بوتين سيد الشرق الأوسط الجديد، راغبا في تلبية مصالحهم وحل مشاكلهم.

وترى بلومبرغ، ان واشنطن والى وقت متأخر، كانت هي وحدها زعيمة لهذه البلدان. ومع ذلك، فإن القدرة الأمريكية في المنطقة قد تضاءلت بشكل ملحوظ، مما يشير إلى نجاح التدخل العسكري الروسي في سوريا، حيث لم تنجح فقط في القضاء علی تهديد تنظيم داعش الارهابي، بل أيضا حافظت على حكومة الرئيس بشار الأسد، في الوقت الذي كان الكثير منهم يصرون على ضرورة تنحيه من السلطة.

وقال دينيس روس، وهو مفاوض أمريكي سابق، كان يقدم المشورة الى الرئيسين جورج دبليو بوش وباراك اوباما: “ان بوتين نجح في تحويل روسيا الى عامل حاسم وفاعل في الشرق الاوسط”. ولهذا السبب تعتبر موسكو جهة ثابتة ومؤثرة في الشرق الأوسط“.

تدهور الأوضاع

 نشرت صحيفة “دي فيلت” الألمانية تقريرا تطرقت من خلاله إلى تداعيات السياسة الخارجية الأمريكية على منطقة الشرق الأوسط. وفي حين سعى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى إنهاء الصراع في منطقة الشرق الأوسط، ازدادت الأوضاع تأزما.

وقالت الصحيفة، في تقريرها، إن الإدارة الأمريكية أربكت الحلفاء والأعداء على حد سواء. في المقابل، فقدت واشنطن تأثيرها على كل الجبهات في المنطقة. وفي هذا التقرير، تستعرض الصحيفة ست دول تراجع فيها نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية والثقة في قيمة التحالف معها.

أكدت الصحيفة أن الولايات المتحدة فقدت نفوذها أولا في مصر، حيث استبشرت القاهرة بتولي دونالد ترامب منصب الرئيس، نظرا لأنه أعلن منذ البداية عن نيته إيلاء مكافحة الإرهاب أولوية قصوى وعدم التدخل في التطورات الداخلية. علاوة على ذلك، وصف الرئيس الأمريكي نظيره المصري “بالجوهرة النادرة”، كما أعلن عن دعمه المطلق له.

ولكن خلافا للمتوقع، صدم المصريون عندما أعلن وزير الخارجية الأمريكي، ريكس تيلرسون، عن تخفيض المساعدات المالية الموجهة لمصر، لإجبار السيسي على قطع تعاونه مع كوريا الشمالية ورفع الرقابة على التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية في مصر.

وأضافت الصحيفة أن مصر تستورد ثلث حاجياتها من القمح من روسيا، كما تستورد منها وبشكل يزداد توسعا الأسلحة أيضا. من جانب آخر، استثمرت العديد من شركات الطاقة الروسية المليارات في مصر. بالإضافة إلى ذلك، وجهت الصين خلال سنة 2016 استثمارات إلى مصر بقيمة تفوق 10 مليار دولار أمريكي، ومن المنتظر أن تصل هذه الاستثمارات إلى حوالي 40 مليار دولار أمريكي في المستقبل لأن بكين تريد جعل مصر منصة صناعية وإقتصادية داعمة لها في شرق أفريقيا.

موسكو عقدت صفقة مع القاهرة لبناء محطة الضبعة النووية التي تضم 4 مفاعلات، تبلغ طاقة كل منها 1200 ميغاوات بتكلفة 26 مليار دولار.

روسيا ستقوم بتمويل 85 في المئة من قيمة المشروع، على شكل قروض بفائدة سنوية 3 في المئة، بينما توفر مصر باقى التمويل 15 في المائة، على أن تسدد قيمة المحطة عقب الانتهاء من إنشائها وتشغيلها.

المعروف أن واشنطن عارضت المشروع وكذلك إسرائيل التي قالت أنه سيفتح الباب أمام إمكانية صنع أسلحة نووية.

وأوردت الصحيفة أن قطر هي ثاني دولة فقدت فيها الولايات المتحدة جزء من نفوذها. حيث توجهت الدوحة إلى التقارب مع طهران بعد أن أعلنت السعودية برفقة دول عربية أخرى بتاريخ 5 يونيو 2017، عن قطع علاقاتها الدبلوماسية وغلق الحدود كافة معها. وفي الأثناء، وقف ترامب في صف السعودية وحلفائها، في حين حاول وزير خارجيته تأدية دور الوسيط لحل الأزمة.

وذكرت الصحيفة أن قطر لم تستجب لطلبات دول الحصار، وإنما كثفت من تعاونها العسكري مع تركيا التي تتمرد بين الحين والآخر على الحليف الأمريكي. وانضمت قطر إلى صف الدول المناصرة لسياسة إيران وأعادت سفيرها إلى طهران لتفتح المجال أمام تعزيز العلاقات الثنائية في شتى المجالات.

وأفادت الصحيفة بأن واشنطن فقدت نفوذها في سوريا، حيث أعلن ترامب في البداية عن عدم رغبته في تغيير النظام في سوريا والعمل على التعاون مع روسيا لمكافحة تنظيم الدولة، ولكنه إنقلب وعاد للعمل ضد حكومة دمشق غير أنه فسخ علاقاته مع جزء من قوى المعارضة السورية وإمتنع عن تنفيذ مشروع التدخل العسكري المباشر ضد دمشق الذي علقت عليه آمال عدد من حلفائه.

وتابعت الصحيفة أن رابع بلد تراجع فيه النفوذ الأمريكي هو العراق، الذي تقارب مع طهران ودمشق وموسكو، حتى أن بعض السياسيين في واشنطن يؤكدون علانية أن واشنطن أنفقت ملايير الدولارات لإسقاط الرئيس صدام حسين وإحتلال العراق ثم قدمته هدية لإيران التي يصف ساستها أمريكا بالشيطان.

وقدرت الصحيفة أن إسرائيل تعتبر من الدول التي تراجع فيها النفوذ الأمريكي. في الواقع، استبشر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بتولي ترامب منصب الرئاسة نظرا لأنه كان يأمل في شن حرب ضد إيران وفي تلقي الضوء الأخضر لتوسيع بناء المستوطنات. ولكن الرئيس الأمريكي طالب إسرائيل بالحد من سياستها الاستيطانية ولم يشن حربا على طهران. في المقابل وبخصوص إيجاد تسوية سلمية في المنطقة، لم يتم التوصل مع السلطات الفلسطينية إلى اتفاق سلام رغم المفاوضات العديدة التي أجراها مسؤولون فلسطينيون مع الجانب الأمريكي.

وأوردت الصحيفة أن أزمة الحرم القدسي الأخيرة كشفت أن الولايات المتحدة غير قادرة على حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، حيث تم حل الأزمة دون تدخل أمريكي. وبالتالي، لا يمكن أن ينجح صهر الرئيس الأمريكي، جاريد كوشنر، في مساعيه السلمية.

وأشارت الصحيفة إلى أن سادس بلد فقدت فيه الولايات المتحدة نفوذها هو اليمن، لأن سياستها هناك مشلولة وتعمل في أفضل الأحوال عبر أطراف ثالثة.

وفي الختام، قالت الصحيفة إن الأوضاع في أفقر بلد في العالم العربي لن تنفرج خاصة أن منظمات الإغاثة تحتاج 1.4 مليار دولار لمنع الكارثة، علما بأن انهيار اليمن قد يهدد استقرار الدول المجاورة.

عالم ما بعد أمريكا

  ينشغل مفكرو الولايات المتحدة منذ فترة بمستقبل الولايات المتحدة الأمريكية في ظل التغيرات الحادثة في شكل النظام الدولي الذي لم تتشكل ملامحه بعد وتحولات ميزان القوي من الغرب إلى الشرق أي القارة الآسيوية. ويحتدم الجدل بين تيارين، يرى أولهما أن الولايات المتحدة في طور التراجع الذي يجعلها تلحق بغيرها من القوى الكبرى والحضارات العظمى التي سبق أن فرضت هيمنتها على العالم وشكلته، ثم تراجعت واندثرت، خاصة مع تآكل الديمقراطية الأمريكية، وإنهاك اقتصادها بالحروب غير المبررة، وتعرضه لأزمات عاصفة في العقد الأخير، وهو ما أدى لعدم قدرة واشنطن على التحكم في مسارات الأمور، ومجريات الأحداث في العالم مع تساقط حلفائها في مختلف مناطق العالم، وبروز قوى عظمى أخرى تتنافس على دورها. في حين يري أنصار التيار الثاني أن القوة الأمريكية لا تزال في ذروتها، وأنها أبعد ما تكون عن التراجع.

نشرت صحيفة واشنطن بوست الامريكية يوم 27 يوليو 2017 مقالا للكاتب فريد زكريا محرر إدارة الشؤون الخارجية بالصحيفة، يتناول فيه التغيرات فى موازيين القوى العالمية، ونهاية عهد التفرد والهيمنة الأمريكية وصعود قوى أخرى تحل محلها، مشيرا إلى دور ترامب الأساسى فى تراجع الولايات المتحدة عالميا بفعل قراراته وخطاباته غير المدروسة والتى لا تليق أبدا بقائد دولة عظمى وأضرت بسمعتها ومكانتها، كما أصدر المحرر كتابا فى 2008 تحدث فيه عن التراجع الأمريكى فى الساحة الدولية، إلا أن الأمر قد حدث بنمط أسرع مما كان متوقعا بفضل ترامب وبصمته السلبية على مكانة الولايات المتحدة عالميا.

ووضح الكاتب أن حملات المعارضة العالمية ضد هيمنة الولايات المتحدة قد بدأت قبل أن يأتى ترامب للحكم، إلا أنه قد ساهم بقوة فى تراجعها عن مكانتها وتشويه سمعتها بفعل تصرفاته وسياساته وتصريحاته غير المفهومة والتى تنم عن قائد فوضوى لا يستحق أن يكون قائدا لأكبر دولة فى العالم، وذكر الكاتب آراء المسئولين الأمريكيين فى إدارة ترامب للسياسة الخارجية الأمريكية.

وثمة دليل آخر يسوقه الكاتب للدلالة على تراجع الولايات المتحدة عالميا، فقد كشف مسح أجراه مركز “بيو” للدراسات البحثية تراجع شعبية “ترامب” عالميا والثقة التى يتمتع بها فى المجتمع الدولى إلى 22 في المئة فقط مقارنة بشعبية “أوباما” فى أواخر عهده والتى وصلت إلى 64 في المئة، كما أشارت النتائج أيضا إلى صعود بعض القادة الدوليين فى إدارة الساحة العالمية مثل “شى جين بينغ” الرئيس الصينى، وفلاديمير بوتين الرئيس الروسى، فكلاهما حصلوا على زيادة طفيفة فى نسبة التأييد والدعم لدورهم العالمى، فى حين حصلت المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” على ضعف نسبة التأييد التى حصل عليها ترامب بما يشير إلى نجاح الإدارة الألمانية فى عهد “ميركل” فى الصعود التدريجى واستعادة مكانتها الدولية كفاعل رئيس فى السياسة العالمية منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ويشير أيضا إلى إخفاق إدارة “ترامب” فى الحفاظ على قوة المكانة الأمريكية وتأثيرها السلبى على صورة ومنزلة الولايات المتحدة فى الشأن العالمى، ويدل أيضا على نهاية عصر القائد الأمريكى الذى يقود العالم أجمع ويسيطر عليه وصعود الرموز الأخرى فى الساحة العالمية والتى أصبحت أكثر شعبية وأكثر فعالية وأجدر على الإمساك بزمام الأمور عالميا فى ظل الأفول الأمريكى.

وقد حاولت تلك الرموز استغلال الفراغات التى خلفها التراجع الأمريكى عالميا، حيث يسرد الكاتب عددا من الأمثلة للدلالة على صعود قوى أخرى فى الساحة الدولية كدول عظمى بما يعلن عن بدء عصر جديد بهيكل جديد للقوى الدولية منهيا الهيمنة والاعتماد والتبعية للولايات المتحدة.

وحدة الصف الأوروبى

 على الصعيد الأوروبى، يرى الكاتب بأن تصرفات ترامب قد أسهمت فى إنجاح ما عجز “بوتين” عن تحقيقه فقد تحقق وحدة الصف الأوروبى فى مواجهة الولايات المتحدة فى محاولة منهم جميعا للاعتماد على الذات وتعميق التضامن فيما بينهم، وتحقيق الاستقلال عن الولايات المتحدة وعدم الاعتماد عليها بفعل اتخاذ إدارة ترامب تدابير وقائية ضد أوروبا، لذلك قررت دول القارة تقوية نفسها للاستغناء تماما عن الولايات المتحدة وإثبات قوتها كفاعل دولى من خلال تبنى كلا من “ميركل” والرئيس الفرنسى “إيمانويل ماكرون” سياسات نشطة فى كل القضايا العالمية، وعلى الصعيد الاقتصادى فإن الاتحاد الأوروبى يحقق نموا اقتصاديا أسرع مما تحققه الولايات المتحدة نفسها.

وهناك أيضا الصعود الصينى وحسن قراءة القيادة الصينية للساحة الدولية واستغلالها للتراجع الأمريكى ومحاولتها لملء الفراغات التى خلفتها الولايات المتحدة، فبموجب السياسة الخارجية الأمريكية لـ”ترامب” تمكنت الصين من لعب دور الفاعل الرئيسى فى مجال الاستثمار والتجارة الدولية، فمدت نفوذها ووجودها إلى دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا ووسط آسيا، ووقعت العديد من الاتفاقات معها وأسست العديد من الشركات والاستثمارات هناك، ونتيجة لذلك وفقا للدراسة التى اعدها مركز “بيو” للدراسات فسبعة من أصل عشر دول أوروبية ترى الصين بمثابة القوة الاقتصادية الأولى التى تسيطر على العالم وليس الولايات المتحدة.

قائد النظام العالمي

 يشير الكاتب أيضا إلى التراجع الأمريكى إقليميا بين دول الجوار ونهاية عصر التبعية لها والاعتماد عليها اقتصاديا وعسكريا ودوليا، حيث صرح وزير الخارجية الكندى بأنه لم يعد يرى أمريكا قادرة على القيام بدور القائد للنظام العالمى فيجب عليها التراجع وترك الفاعلين الدوليين مثل كندا يتعاملون بأنفسهم فى ظل نظام دولى قائم على حرية التجارة ودعم حقوق الإنسان.

وكذلك الحال فى أمريكا الجنوبية فقد تجنبت المكسيك توقيع أى اتفاقات للتعاون مع الحكومة الأمريكية فى ظل إدارة “ترامب” يحظى بنسبة تأييد وشعبية 5 في المئة من سكان المكسيك وهى الأقل بين الدول التى أجرى فيها دراسة مركز “بيو”.

قبل ثلاث سنوات جاء في تعليق لصحيفة الشعب الصينية نشر يوم 15 يناير 2014: هناك شبه إجماع لدى الباحثين في شأن الإستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط أنها تنكمش يوما بعد يوما بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي باراك اوباما في عام 2009 عن انسحاب القوات الأمريكية من العراق وأفغانستان، وإطلاق ” إستراتيجية إعادة التوازن” في أسيا والمحيط الهادئ. وتتضح الصورة أكثر منذ اندلاع ما سمي “الربيع العربي” في عام 2011، وقيادة أمريكا لسلسلة سلوكيات جديدة من خلف الستار، وخاصة الإجراءات الجديدة التي اتخذتها تجاه الأزمة السورية والقضية النووية الإيرانية عام 2013،مما يثبت دخول الشرق الأوسط عصر ما بعد الولايات المتحدة.

يتجه مسار الفكرة الأساسية للسياسة الخارجية لواشنطن نحو استعادة القوة الاقتصادية لأمريكا والهيمنة العالمية، والتركيز على نقل إستراتيجيتها الخارجية من الشرق الأوسط إلى آسيا، وتحقيق إستراتيجية “الخروج من الشرق الأوسط، والدخول إلى أسيا والمحيط الهادئ” عسكريا.

عمر نجيب

Omar_najib2003@yahoo.fr

مغرب ميديا لا يتحمل مسؤولية المحتوى المنشور.
المقال تم نشره من طرف موقع العلم. لزيارة المقال الاصلي المرجو النقر على الرابط التالي
المقال الاصلي على موقع العلم

إقرلأ ايضا.