ذكريات ماطرة..

حين كان ينزل المطر في طفولتي، كنت أخرج مع أترابي إلى الحقول والجنان المجاورة لبيت جدتي الفسيح بسيدي سليمان، لنستقبل غيث الرحمان بالفرح والركض وترديد أنشودة المطر الدارجة والخالدة: “آشتا تاتا تا..”. كانت الأرض المبللة والموحلة هي المفضلة لدينا لنلعب كرة القدم. كان للانزلاق والتدحرج والسقوط بين برك الماء والوحل طعم رائع. ساعتها، قريبا من بيت جدتي، كنت أحب المطر.

في مرحلة لاحقة، ستنقلب هذه العلاقة رأسا على عقب. كان ذلك في بيتنا، الذي يفترض أنه يقع في حي يدخل ضمن المدار الحضري، أي داخل ما يُسمى المدينة. غير أن الشتاء كانت تُحول أحياء المدينة كلها إلى عالم قروي حينما تنزل، مع فارق أساسي بين البوادي المجاورة والمدينة. الأولى كانت تتوفر على حقول جميلة وأراض زراعية تمتص الماء وتزهر بعده، وعموما فضاء صديق للمطر يحولك إلى مشروع مارسيل بروست صغير وأنت تراقب العالم من حولك يتجدد ويغيّر شكله بفعل الماء.

في المدينة، كان العكس من ذلك تماما. شوارع مشوهة وأزقة ضيقة بتعبيد طرقي عجيب وأحياء مبعثرة وطرقات ليست كالطرقات. أرصفة على الجانبين وطريق “عذراء” بينهما، لازالت في الحال الذي كانت عليه منذ مرت عليها أقدام جيوش الرومان قبل قرون مديدة، مُوحلة وتغرق في ذاتها بسرعة البرق مع أولى زخات المطر.

ولأننا كنا نظن أننا محسوبون على “مدينة” سيدي سليمان، ولأننا كنا صغارا ومراهقين، لم نكن “نقبل” بالذهاب إلى قاعات الدرس بكاسح الوحل الأسطوري: “البوط”. فكنا نضطر إلى التحول إلى قردة والقفز من هنا إلى هناك بأحذيتنا الرخيصة والرديئة، مع بحث مستمر عن قطع الآجور والحجارة لرصها داخل الأوحال والسير فوقها أو القفز منها نحو “المناطق الآمنة”. وكل ذلك في مسعانا لتجنب الوصول إلى الإعدادية أو الثانوية ونحن نحمل آثار الطبيعة في أحذيتنا.. وكل ذلك وكنا نخفق. الوحل كان في كل مكان، وحيثما يغيب الوحل والطين تعوّضه برك الماء “الغارقة”. وأحيانا، وبدون مبالغة، كنا نلتقي، – نحن أصدقاء الحي والدراسة – لنفكر في أي الطرق سنسلك غدا للوصول إلى الثانوية، ونبدأ في عد البرك وتقدير كميات الوحل التي سنصادفها في هذا الطريق أو ذاك، ويحدث أن نتخذ القرار بالتصويت. في اليوم الموالي، كنا نصل إلى القسم وآثار المعركة مع الطبيعة بادية على ملابسنا. لا أعرف هل كان بدر شاكر السياب سيكتب قصيدته الرقيقة أنشودة المطر لو عرف المطر  في علاقة إشكالية من التي عرفناها.

ساعتها، كنا نظن أن المشكل في السماء لا في الأرض، في الشتاء التي تصب على المدينة أيضا، عوض أن تكتفي بسقي حقول الليمون المجاورة، لا في المجلس البلدي والسلطات المحلية والدولة المغربية التي تركت علاقتنا بالمطر تسوء، وتزداد سوءا سنة بعد أخرى. مرة حضرت تجمعا انتخابيا وسمعت سياسيا مخضرما بالاتحاد الاشتراكي يقول: “سيدي سليمان عروبية غير تعدّوا عليها بإعطائها صفة (étiquette) مدينة..”.

اليوم سيدي سليمان عمالة. وأجواؤها ماطرة هذه الأيام، وكاتب هذه السطور تنقل فيها إنعاشا للذاكرة، ويؤكد لك، أن كل ما قاله فوق لم يتغير قيد أنملة، بل زاد سوءا، ولا أتحدث عن الأحياء المحظوظة التي يقطن فيها الساسة وكبار المسؤولين، وتُجر إليها كافة مخططات التهيئة والتجديد والصيانة، وإنما عن أحياء العمق التي يفترض أنها أيضا جزء من هذه المدينة، حيث توجد القطرة وقطع الآجور، وقصص الحب الأولى التي كانت تعطي للمطر و”طريق الليسي” المعفرة في الأوحال، مذاقا آخر…

loading…

مغرب ميديا لا يتحمل مسؤولية المحتوى المنشور.
المقال تم نشره من طرف موقع اليوم 24. لزيارة المقال الاصلي المرجو النقر على الرابط التالي
المقال الاصلي على موقع اليوم 24

إقرلأ ايضا.